إخوان الصفاء

305

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

عليها المشتري وما شاكله من الكواكب الثابتة ، فإن الغالب على أمزجة أبدانهم الدّم والاعتدال ، يعرف حقيقة ما قلنا وصحّة ما وصفنا أهل الصّناعات والتجارب . وإذ قد تبيّن بما قلنا وذكرنا ما الأسباب والعلل الموجبة لوجود الأخلاق المركوزة في الجبلة ، فنريد ان نبيّن ما الأخلاق المركوزة في الجبلة ، وما المكتسبة بالعادة الجارية منها ، وما الغرض في ذلك ، وما الفرق بينهما ، يعني الاخلاق المكتسبة والمركوزة . فصل في ماهية الأخلاق اعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن الأخلاق المركوزة في الجبلّة هي تهيّؤ ما في كل عضو من أعضاء الجسد يسهل به على النفس اظهار فعل من الأفعال ، أو عمل من الأعمال ، أو صناعة من الصنائع ، أو تعلّم علم من العلوم ، أو أدب من الآداب ، أو سياسة من غير فكر ولا رويّة ، مثال ذلك أنه متى كان الإنسان مطبوعا على الشجاعة فإنه يسهل عليه الإقدام على الأمور المخوفة من غير فكر ولا رويّة ، وهكذا متى كان مطبوعا على السّخاء يسهل عليه بذل العطيّة من غير فكر ولا رويّة ، وهكذا متى كان الإنسان مطبوعا على العفّة ، سهل عليه اجتناب المحظورات المحرّمات من غير فكر ولا رويّة ؛ وهكذا من كان مطبوعا على الاعتدال ، سهل عليه الحكومة في الخصومات ، والعدل والنّصفة في المعاملات ، وعلى هذا المثال والقياس سائر الأخلاق والسجايا المطبوعة في الجبلة المركوزة فيها ، إنما جعلت لكيما يسهل على النفس إظهار أفعالها وعلومها وصنائعها وسياساتها وتدبيرها بلا فكر ولا رويّة . وأما من كان مطبوعا على الضّدّ من ذلك فهو يحتاج عند استعمال هذه